إذا كنت من مهووسي التكنولوجيا، أو من اللاعبين المحترفين، فأنت بالتأكيد تعرف تلك الشركات ال 3 العملاقة التي تعمل جميع أجهزتنا على معالجاتها، وإذا كنت مستخدماً عادياً، فلا بد أنك قد سمعت بهم من قبل.

هذه الشركات كان لها فضل كبير في تطور التكنولوجيا والحواسيب بجميع أنواعها لتصبح بهذه القوة، وبإمكانك القول أن اختراعاتها هي التي أوصلت وادي السليكون لهذا التطور.

نحن نسمع دائماً عن المنافسة المحتدمة بين تلك الشركات في كل مرة يتم إصدار معالجات أو تقنيات جديدة، ناهيك عن المناظرات والنقاشات التي تحدث دائماً بين معجبي تلك الشركات حول “من هو الأفضل على الإطلاق”.

ولكن، هل خطر على بالك يوماً أن تعرف ما هو تاريخ هذه الشركات؟ وكيف وصلت لما هي عليه الآن؟ ومن هم المؤسسون؟ وما هي مراحل الصعود والسقوط في حياتهم؟ وما هو سبب شهرة هذه الشركات إلى هذا الحد؟

في هذا المقال، سنرجع بك إلى الوراء لنخبرك عن تاريخ الشركات الثلاث، Intel، وAMD، وNvidia، وسنخبرك أيضاً عن بعض الحقائق المثيرة التي لم تسمع بها وعن مدى الترابط العميق بينها.

1. Intel

شعار Intel
مقر شركة Intel. المصدر: ويكيبيديا

قبل البدء بالحديث عن Intel، لنستعرض بعض الأحداث التاريخية التي أدت إلى نشوء الدارات الإلكترونية والمعالجات بشكلها الحالي، والتي أدت بدورها إلى نشوء الشركة. لنرجع إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى عام 1947، حيث كان أول ظهور لما يعرف ب “الترانزستور Transistor” وهو جهاز شبه موصل في غاية الصغر يستخدم في الدارات الكهربائية ويعمل على تبديل حالة التيار بين 1 و 0، وهذا هو أساس الأجهزة الإلكترونية التي تكون حالة التيار فيها إما صفراً أو واحداً، فالترانزستور إما أن يقوم بتمرير تيار أو إيقافه. في وقتنا الحالي، يحتوي المعالج على مليارات الترانزستورات، وقد تصل إلى 40 مليار في معالجات الخوادم. تم اختراع الترانزستور الذي نعرفه الآن من قبل 3 علماء، وهم William Shockley، وJohn Bardeen، وWalter Brattain.

ولكن في ذلك الوقت، ظهرت مشكلتان كبيرتان، الأولى أن الترانزستورات يجب توصيلها بالأسلاك، والثانية هي أنه كانت تتم صناعة دارات كهربائية ومعالجات مخصصة لغرض واحد من الأغراض، فلم يكن هناك معالج يصلح لمعالجة كل شيء، وسنتطرق لهذا بعد قليل.

في البداية، كان هناك حلم لدى العلماء وهو التمكن من توحيد جميع مكونات الدارة الكهربائية، من الأسلاك والترانزستورات وغيرها في شريحة إلكترونية واحدة (Printed circuit board). كان أول من تمكن من اختراع الدارة الكهربائية المتكاملة (Integrated circuit) هو عالم الفيزياء الأمريكي Robert Noyce، وذلك في عام 1959، وهي تعمل عن طريق وضع طبقة رقيقة من المعدن على شريحة سليكون، ثم حفر المناطق المناسبة من المعدن لتكوين دارة كهربائية متكاملة على تلك الشريحة.

لكن ما قصة Robert Noyce هذا؟

Robert Noyce. المصدر: ويكيبيديا

لنرجع إلى William Shockley، وهو الذي كان مشرفاً على الفريق الذي اخترع الترانزستور، حيث أنه قرر بعدها بعدة سنوات الانتقال إلى غرب الولايات المتحدة لإنشاء مختبره الخاص لتصميم أشباه الموصلات، وتمكن في عام 1956 من جمع أفضل العلماء الأمريكيين في ذلك الوقت وتوظيفهم في الشركة.

ولكن بسبب خلاف مع Shockley، قرر 8 أفراد من العلماء الذين لم يكونوا معجبين بإدارته بترك الشركة والاتفاق على إنشاء شركة جديدة، عرفوا وقتها ب “الخونة الثمانية، أو “Traitorous Eight”، وكان من بينهم Robert Noyce. قرر هؤلاء الثمانية البحث عمن يقوم بتمويل شركتهم الجديدة، فتوجهوا لشركة Fairchild Camera and Instrument التي أسسها شخص يدعى Sherman Fairchild، حيث أنه أعجب برؤية وتطلعات هؤلاء العلماء، وتم إنشاء قسم جديد تابع للشركة يسمى Fairchild Semiconductor.

الخونة الثمانية. © Wayne Miller

تم إنشاء الشركة الجديدة رسمياً في عام 1957، وكانت تخطط بشكل رئيسي لصنع الترانزستورات وأشباه الموصلات المكونة من مادة السليكون بدلاً من مادة الجرمانيوم التي كانت المادة الأكثر شيوعاً في صناعة أشباه الموصلات في ذلك الوقت. ويرجع السبب إلى أن مادة السليكون قليلة التكلفة كونها مستخرجة من الرمل، وأن الإلكترونيات المصنوعة من السليكون يمكن استبدالها بسهولة بعد تلفها بدلاً من محاولة إصلاحها نظراً لتكلفتها القليلة.

هل عرفت الآن من أين نشأت ثورة وادي “السليكون”؟ الفضل يعود ل Fairchild Semiconductor وجميع من عمل بها في ذلك الوقت!

ومن داخل هذه الشركة، تمكن Robert Noyce في عام 1959 بإنشاء الدارة المتكاملة. لكن ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنه أصبح بالإمكان تقليص حجم الدارات الكهربائية والأسلاك والأجهزة التي كانت تأخذ مساحة غرفة كاملة، إلى شريحة صغيرة من السليكون وبعض النحاس!

بعد مرور السنين، بدأ الموظفون في Fairchild بمغادرة الشركة والسعي وراء أعمال أخرى، كما ظهرت شركات منافسة في مجال أشباه الموصلات مثل Motorola وTexas Instruments، فأدرك Noyce أنه يجب عليه البدء بمشروع جديد وإنشاء شركته الخاصة، فغادر الشركة هو وزميله من “الخونة الثمانية” الذي يدعى Gordon Moore، وقاما بتأسيس الشركة التي لطالما أحببناها، وهي Intel!

من هنا تبدأ قصتنا مع Intel (والكلمة هي اختصار ل Integrated Electronics)، حيث تأسست عام 1968، وبدأت كمصنع للذواكر، كما حصلت على تمويل مالي ضخم بالملايين، وتم تعيين صديق ل Noyce وMoore يدعى Andrew Grove كأول موظف في الشركة، والذي كان يعمل أيضاً في Fairchild Semiconductor!

من اليمين إلى اليسار: Gordon Moore، وRobert Noyce، وAndrew Grove. المصدر: ويكيبيديا

في عام 1969، قامت شركة يابانية تدعى Busicom بالتعاقد مع Intel لتصميم 12 شريحة متكاملة للآلات الحاسبة الجديدة الخاصة بها.

أتذكرون المشكلتين اللتين تحدثنا عنهما في السابق؟ لقد تم حل المشكلة الأولى باختراع الدوائر المتكاملة، لكن ماذا عن الثانية؟ حيث أن كل تطبيق من التطبيقات كانت تُصنّع له شريحة خاصة به ومخصصة له فقط؟

من هنا جاءت فكرة عظيمة لمهندس يعمل في Intel اسمه Ted Hoff، والذي كان المسؤول عن تصميم معمارية المعالج الخاص بكل شريحة من تلك الشرائح. قام Hoff باقتراح فكرة مختلفة ل Noyce وهي تصميم شريحة واحدة بدلاً من 12 تقوم بمعالجة كل شيء. رحب Noyce بالفكرة وشجعه على القيام بها إذا استطاع فعلاً أن يطبق الفكرة بنجاح. وفعلاً، تمكن Hoff من تصميم المعمارية الخاصة بهذا المعالج، وتبقت آخر خطوة وهي وضع كل هذه التصاميم الورقية على السليكون وتصنيع المعالج. لفعل ذلك، قامت Intel بتوظيف عالم الفيزياء والمهندس Federico Faggin، والذي كان يعمل في Fairchild Semiconductor، وتمكن بنجاح من وضع التصاميم الخاصة بـ Hoff على السليكون وتصنيع المعالج النهائي وتسليمه للعميل في عام 1970.

في نفس السنة، أطلقت Intel معالج 4004، أول معالج مركزي (CPU) في العالم… نظام كامل داخل شريحة واحدة بإمكانها معالجة أي شيء تريده! تخيل مدى أهمية هذا الاختراع في حياتنا اليومية، لدرجة أن الناس وقتها لم يصدقوا أن شريحة بحجم الإصبع وبتكلفة 60 دولاراً تحمل قدرات غرفة كاملة من الدارات الكهربائية والمعالجات والأسلاك، مثل جهاز ENIAC الشهير.

معالج Intel 4004. المصدر: ويكيبيديا

من هنا بدأت سلسلة نجاحات Intel في عالم المعالجات، ومع محاولة العديد من الشركات منافستها، إلى أن معظمها لم يتمكن من الصمود، وبقيت Intel الأولى في تصنيع المعالجات طوال كل هذه السنين. كما أن من أسباب نجاح الشركة إلى هذا الحد في بداياتها هو مديرها التنفيذي Andrew Grove، والذي لا يختلف أحد على كونه أحد أعظم وأذكى الرؤساء التنفيذيين في التاريخ.

بإمكاننا القول أن حقبة Intel الذهبية كانت في 2006 وما بعدها، وذلك بعد إصدار معالجات Core لأول مرة، وكانت معالجات جيدة بالفعل! إذن فالمعالجات الجيدة والسريعة وغياب المنافسة من AMD في ذلك الوقت أدى لهيمنة Intel بشكل رسمي على السوق، حتى أن حصتها السوقية وصلت إلى أكثر من 80%. وزادت تلك الهيمنة في عام 2011 وما بعدها مع إصدار معالجات Core i3, i5, i7 ومؤخراً i9، وكان من الواضح أنه لن يتمكن أحد من منافسة قوة تلك المعالجات.

مرت Intel عبر السنين من نجاح إلى نجاح، وما زالت إلى الآن تملك حصة الأسد في معالجات الحواسيب، وتمكنت من تطوير معالجاتها بشكل لا يصدق، ولكن مع الأسف، فقد مرت الشركة بالعديد من التخبطات أيضاً، ويرجع ذلك لعدم التمكن من ملاحقة التطورات التكنولوجية بالسرعة الكافية في السنوات الأخيرة، وتنصيب مدراء تنفيذيين لديهم خبرة في الأعمال أو المحاسبة بدلاً من أن يكون لديهم خبرة حقيقية في المعالجات والهندسة، على عكس منافسيها AMD وNvidia، كما عُرفت Intel بفشلها في ركوب موجة الهواتف الذكية، ولم تكن تعطي الموضوع أهمية كافية، فأصبح وجودها في هذا السوق معدوماً بالكامل، ولكن، على الأقل ما زالت تبتكر معالجات قوية يحبها الجميع، وتمكنت بنجاح من دخول صناعات عديدة مثل الذكاء الاصطناعي، والسيارات ذاتية القيادة، والطيارات بدون طيار، وغيرها، كما أعلنت مؤخراً عن قدوم أول بطاقة رسوميات منفصلة لها تحت اسم Intel Arc. من الرائع أن نشاهد المنافسة تعود من جديد بعد هيمنة منافسها الشرس AMD على سوق المعالجات خلال السنتين الأخيرتين. ولكن، كيف تمكنت AMD من بسط سيطرتها بعد سقوطها العنيف؟ لنتعرف الآن على قصة AMD كاملة.

2. AMD

شعار AMD
شعار Radeon Technologies Group التابعة لـ AMD
مقر شركة AMD. المصدر: ويكيبيديا

قصة AMD مثيرة للاهتمام أيضاً. لنتعرف الآن كيف بدأت الشركة من مصنّع متواضع للمعالجات، وسقوطها العنيف قبل عدد من السنين وقرابتها على الإفلاس، إلى الرجوع مرة أخرى وفرض سيطرتها وهزيمة Intel حتى الآن على الأقل.

في عام 1969، قام شخص يدعى Jerry Sanders، وهو مهندس كهرباء ومدير التسويق في Fairchild Semiconductor بترك الشركة هو و7من زملائه لتأسيس شركتهم الخاصة، وأسموها AMD (Advanced Micro Devices)، أي بعد سنة من تأسيس Intel.

Jerry Sanders

هل لاحظت أن مؤسسي Intel وAMD كانوا يعملون جميعهم في نفس الشركة قبل إنشاء شركاتهم الخاصة؟

بدأت الشركة كمصنع ثانٍ للشرائح لعدد من الشركات الأخرى مثل Fairchild وNational Semiconductor (المصنع الثاني هو الشركة التي تحصل على ترخيص لتصنيع وبيع شرائح تم تصميمها في الأصل من قبل شركات أخرى، وليس من قبل تلك الشركة).

في عام 1971، دخلت AMD سوق المعالجات بمعالجها Am9080 الذي كان متوافقاً مع معالج Intel 8080، وقامت بإصدار معالجات أخرى بعدها، ولكن كل ذلك تغير في عام 1978، عندما قامت Intel بتقديم معماريتها الجديدة x86 التي تعمل جميع أجهزتنا عليها.

في عام 1981، أصدرت IBM حاسوبها الشخصي الذي ما زالت أجهزتنا معتمدة على تصميمه الأساسي، وقررت الاعتماد على معالجات Intel ومعماريتها الجديدة x86، ولكن بشرط، وهو أن تقوم Intel بتزويدها بمصنع ثانٍ للشرائح، وذلك للتأكد من توفر مزود ثان للشرائح في حال انقطع التزويد من Intel، ومن هنا بدأ التعاون بين Intel وAMD، ودخلت الشركتان في اتفاقية مدتها 10 سنين تقتضي أن تقوم كل شركة بإعطاء الحق للشركة الأخرى باستخدام تقنياتها وتصنيع معالجاتها.

وبقيت العلاقات جيدة بين الشركتين، إلى عام 1984، حين لاحظت Intel أن AMD كانت تتمكن من صنع معالجات أسرع وأفضل من Intel في كل مرة، بالإضافة إلى أن Intel قد قامت بإصدار معالجها الجديد المشهور بقدرته العالية i386، فماذا فعلت الشركة؟ قررت بكل بساطة منع AMD من الحصول على تقنياتها الجديدة وتصاميم المعالج الجديد، وهذا ما يخالف الاتفاقية بينهم بالطبع، ومن هنا بدأت الحرب بين الشركتين، حيث وصل هذا الخلاف للمحكمة، وانتهى بفوز AMD في القضية بعد عدة سنين.

في الواقع، امتد هذا الصراع للعديد والعديد من القضايا التي استمرت لسنين طويلة، ومع أن AMD فازت في معظمها أو جميعها، إلا أن ذلك أثر سلباً على الشركة، حيث أنها استنزفت العديد من أموالها في هذه القضايا وكان هذا أحد أسباب سقوطها. في الجهة المقابلة، كانت Intel تستفيد من هذه القضايا رغم خسارتها في كسب المزيد من الحصة السوقية. ولكن، دعونا نخبرك عن إنجازات AMD خلال السنين وسنتطرق بعدها إلى عوامل سقوطها ومن ثم صعودها مرة أخرى وهيمنتها على السوق.

بالرغم من إفساد الاتفاقية بين الشركتين، إلا أن AMD كانت كل مرة تقوم بتصميم معالجات شبيهة بمعالجات Intel باستخدام الهندسة العكسية (أي دراسة كيفية عمل المعالج ثم استنساخه وتصميم معالجاً يشابهه تماماً)، وكان ينتهي الحال بأن يكون معالج AMD أسرع من نظيره الخاص بـ Intel، وبسبب هذا، تمكنت الشركة من تحقيق أرباح بلغت 2 مليار دولار في 1994، إلى أن قررت الشركة ولأول مرة تصميم معالجها الخاص من الصفر دون الحاجة لاستنساخ معالجات Intel، وأسمته K5.

مقر شركة AMD. المصدر: ويكيبيديا

مع الأسف، أتى هذا المعالج في وقت متأخر، وذلك بعد هيمنة معالجات Pentium على السوق بأكمله، بالإضافة للمشاكل التي كانت موجودة في المعالج وضعف المبيعات. أدركت AMD أنها لن تستطيع مواجهة معالج Pentium بقدراتها الحالية، فقامت بشراء شركة NextGen التي كانت تصنّع معالجات تنافس معالجات Pentium، وبعد شرائها قامت الشركة بإصدار معالجها الجديد K6 الذي أثبت نجاحه الباهر.

تلك الفترة كانت الفترة الذهبية ل AMD، خصوصاً في عام 1999، حيث أصدرت الشركة معالج Athlon الشهير، وكان وقتها أسرع معالج x86 في العالم. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل أصدرت في عام 2003 أول معالج 64-بت في العالم، حيث أن المعمارية تم إصدارها لأول مرة في عام 1999 (بالمناسبة جميع الحواسيب والهواتف الحديثة تعمل الآن على معمارية 64-بت، مما يعني أن المعالج يستطيع معالجة قدر أكبر من البيانات من معالجات 32-بت القديمة). في الواقع، كان هناك فضل كبير لمهندس يدعى Jim Keller في تطوير هذه المعالجات، وكان هو أيضاً كبير المهندسين الذين عملوا على تطوير معالج K8 الذي اعتمد على معمارية ال 64-بت، وهو نفسه الذي قاد عملية تطوير معالج Ryzen الجديد بعد عودته للشركة ومن ثم مغادرته لاحقاً.

Jim Keller

في عام 2006، قامت AMD بشراء شركة ATI المختصة بتصميم المعالجات الرسومية، وبذلك تصبح AMD تنافس شركتين بدلاً من واحدة: Intel في المعالجات المركزية، وNvidia في المعالجات الرسومية. وفي خلال معظم السنوات السابقة، كانت المنافسة حامية بين AMD وNvidia، على عكس المعالجات المركزية التي لطالما كان ل Intel الحصة الأكبر في السوق.

ولكن، كل هذا تغيّر في عام 2006، حين أصدرت Intel معالجات Core التي لم يكن لديها أي منافس، ومن هنا بدأت تظهر مشاكل AMD التي أدت إلى انهيار الشركة لاحقاً. ولكن، ما هي أسباب انهيار الشركة؟

في الواقع، هناك العديد من الأسباب، الأول هو القضايا بين Intel وAMD التي استنزفت أموال الشركة بشكل كبير، وثانياً أن الشركة كان لديها سوء إدارة كبير لأموالها، فكانت تنفق المليارات على مصانع معالجات متقدمة لا تحتاج لها فعلياً، وأيضاً قيامها بشراء ATI بمبلغ ضخم ومبالغ فيه في ذلك الوقت (5.4 مليار دولار)، وثالثاً سوء الإدارة الكبير في الشركة وعدم التركيز على وضع خطط صحيحة للمستقبل، ورابعاً وهو من أكبر عوامل السقوط: المعالجات السيئة!

بعد ظهور معالجات Core من Intel في عام 2006، لم تتمكن AMD من منافسة تلك المعالجات بشكل كبير، ولكن لا شيء يعادل سوء معالجات FX التي ظهرت في عام 2011 واستمرت لعام 2016، والتي كانت ضعيفة وسيئة بكل معنى الكلمة، ولم تستطع حتى مواجهة المعالجات المتواضعة من Intel، بالإضافة للمشاكل الكبيرة التي كانت تظهر عليها وسعرها الغالي مقارنة بأدائها. من ناحية المعالجات الرسومية، فقد كانت المنافسة أكثر قوة بين AMD وNvidia، ولكن المشاكل السابقة أثرت أيضاً على معالجات الشركة الرسومية وخسرت على إثرها حصة سوقية كبيرة لصالح Nvidia.

كل هذا أدى لسقوط AMD وإفلاسها تقريباً في عام 2014، حيث كان سعر السهم الواحد للشركة دولارين فقط! إلى أن تغير كل شيء…
في نفس السنة، جاءت الرئيسة التنفيذية الجديدة Lisa Su، وهي مهندسة تحمل شهادة الدكتوراة بالإضافة إلى أكثر من 20 سنة من الخبرة في مجال الإلكترونيات والمعالجات.

Lisa Su
Lisa Su

قامت Su هي وبعض المدراء الجدد أصحاب الخبرة الكبيرة في المعالجات بإعادة الشركة لمسارها الصحيح، وذلك بجمع الشتات والتركيز على الشيء الأساسي الذي تجيد الشركة فعله منذ نشأتها: تصنيع معالجات قوية. قد يبدو الأمر سهلاً، ولكن بناء خريطة طريق تمتد للعديد من السنين ليس بالأمر السهل أبداً.

وبالفعل، بدأت الشركة العمل على مشروع Zen، وهي معمارية معالج جديدة مبنية بالكامل من الصفر. في آخر عام 2016، أطلقت AMD بنجاح معالجها الجديد كلياً والمبني من الصفر Ryzen، وأذهل الجميع بالفعل. استطاعت AMD لأول مرة منافسة Intel والتفوق عليها منذ قرابة العشر سنوات، وما كان يميز المعالج هو استهلاكه القليل جداً للطاقة، وعدد الأنوية الكبير في المعالج، وسعره القليل جداً، فكنت تستطيع وقتها شراء معالج Ryzen يفوق أداء أقوى معالج من Intel بنصف السعر حرفياً.

في عام 2019، أطلقت الشركة الجيل الثالث من معالجات Ryzen، وتضمنت أول معالج في العالم بـ 32 نواة، وأيضاً أول معالج للخوادم في العالم بـ 64 نواة، كما تمكنت لأول مرة من التفوق على Intel في أداء الألعاب، وأصبح من الواضح أن Intel قد خسرت المعركة أمام AMD، فـ Intel لا زالت إلى الآن تعاني صعوبة شديدة في مجاراة AMD.

أصبحت AMD الخيار الأول للاعبين وصانعي المحتوى ومهووسي التكنولوجيا، كما أن حصتها السوقية تزداد سنة بعد سنة، وقد وصل سعر السهم قبل فترة قصيرة إلى ما يقارب الـ 100 دولار، والآن تمتلك الشركة أقوى معالج في العالم بلا منازع. هل ستعود المنافسة بين Intel وAMD قريباً؟ من المحتمل!

على صعيد المعالجات الرسومية، استطاعت الشركة في عام 2020 وأخيراً من مجاراة Nvidia بعد سنين من غياب المنافسة، ولا شك أن في عام 2022 ستشتد المنافسة عندما تطلق الشركتان الأجيال الجديدة من معالجاتها.

3. Nvidia

شعار Nvidia
مقر شركة Nvidia. المصدر: ويكيبيديا

وأخيراً، لنتكلم عن الشركة التي يحبها الجميع، وخصوصاً اللاعبين، وكيف تمكنت من إحداث ثورة في عالم المعالجات الرسومية وهيمنتها على السوق إلى الآن.

لكن في البداية، ما هو المعالج الرسومي (GPU) بالضبط؟
باختصار، المعالج الرسومي هو نوع خاص من المعالجات مختص بشكل أساسي بمعالجة الرسوميات والأشكال ثنائية وثلاثية الأبعاد وعرضها على الشاشة. من الناحية التقنية، فالمعالج الرسومي يمتاز بقدرته على معالجة العديد من البيانات بشكل متوازي (Parallel Processing)، بينما المعالج المركزي يعالج البيانات بشكل متسلسل (Serial Processing)، ولكل منهما تطبيقاته العملية.

صورة توضح شكل المعالج المركزي والمعالج الرسومي من الداخل

في السبعينات، كانت أجهزة الألعاب لا تحتوي على معالجات “مختصة” للرسوميات، وإنما شرائح سليكون مبرمجة لعرض أشكال محددة فقط، ولكن وللعديد من السنين، كانت الرسوميات والأشكال تتم معالجتها بواسطة المعالج المركزي.

في أواسط الثمانينات، بدأ ظهور بعض المعالجات التي كانت قادرة على معالجة بعض الرسوميات وحدها دون الاستعانة بالمعالج المركزي، ومع ظهور أنظمة التشغيل التي تحتوي واجهة رسومية مثل Windows 1.0، انتشرت تلك المعالجات وأصبح بإمكان الناس شراءها وتركيبها على أجهزتهم على شكل بطاقات، حيث كانت هذه البطاقات قادرة على أداء بعض المهام بجانب عرض الرسوميات على الشاشة مثل معالجة الخطوط والأشكال دون الاعتماد على المعالج المركزي.

مع مرور السنين، تطورت قدرات هذه البطاقات، وأصبحت قادرة على معالجة الأشكال بشكل أسرع، وأصبحت قادرة أيضاً على معالجة الأشكال ثلاثية الأبعاد، وأُنشأت شركات جديدة مختصة في تصنيع البطاقات الرسومية مثل Matrox، و3dfx، وATI، وبالطبع… Nvidia!

تأسست Nvidia عام 1993 على يد المهندس الكهربائي الأمريكي من أصل تايواني Jensen Huang، وبشكل مثير للاهتمام، كان السبب في شغفه في المعالجات والإلكترونيات هو منفاسه الأول AMD!

Jensen Huang

عندما كان في الجامعة، شاهد Huang في المختبر أحد الملصقات وعليه أحد المعالجات المشهورة لـ AMD والذي كان يستخدم في العديد من أجهزة الألعاب، فأثار شغفه كثيراً وما لبث إلى أن تخرج وذهب إلى AMD للعمل فيها لمدة سنتين، ثم ترك الشركة وأنشأ شركته الخاصة Nvidia.

بدأت الشركة كمنافس قوي لشركات تصنيع البطاقات الرسومية الأخرى، واشتهرت ببطاقة Riva TNT التي كانت قادرة على معالجة الرسوميات ثلاثية الأبعاد بشكل فائق السرعة، والتي كانت أحد أسباب شهرة الشركة وتعزيز مكانتها في السوق.

إلى أن تغير كل شيء في عام 1999، حين فرضت Nvidia سيطرتها على السوق بإصدارها معالج Geforce 256، أول معالج رسوميات حديث (الذي نعرفه باسم GPU هذه الأيام) والذي نقل معالجات الرسوميات إلى مستوى جديد، حيث كان قادراً على معالجة التأثيرات الضوئية المعقدة و “التحويل”، وهو القدرة على إنتاج صورة ثنائية الأبعاد على الشاشة من المشاهد ثلاثية الأبعاد، حيث أن جميع هذه العمليات لم يكن يتمكن الحاسوب من معالجتها إلا باستخدام المعالج المركزي.

Geforce 256

أكملت Nvidia سلسلة نجاحاتها مع إعلان بطاقة Geforce 3 في عام 2001، والذي تضمن شيئاً يسمى “Pixel Shader”، الذي يسمح بتكوين التأثيرات على كل بكسل من الصورة، وبالتالي تكون دقة تفاصيل العرض في غاية الروعة. كل هذا أدى إلى خروج جميع منافسي Nvidia من السوق لعدم قدرتهم على مواجهة بطاقات Nvidia القوية والسريعة وذات الميزات المعقدة، ولم يتمكن من منافستها إلى وقتنا هذا إلا ATI التي تم بيعها إلى AMD في 2006، ومع ذلك، تحمل Nvidia الحصة السوقية الأكبر في سوق المعالجات الرسومية.

في السنوات الأخيرة، أصدرت الشركة سلسلة معالجاتها الجديدة RTX 2000 (ومؤخراً RTX 3000) التي تعتبر أقوى معالجات رسومية للحواسيب الشخصية في السوق، والتي تمتاز بتقنية فريدة من نوعها تُستخدم في الألعاب الجديدة تُسمى تتبع الأشعة (Ray Tracing) وهي طريقة لمعالجة الضوء والتي تكون محصلتها مؤثرات بصرية وضوئية عالية الدقة تشبه الواقع بشكل كبير.

تحظى الشركة باحترام كبير وسمعة جيدة جداً بين أوساط اللاعبين ومهووسي التكنولوجيا، وفئة الشباب بشكل عام، فدائماً ما يربط الناس اسم Nvidia أو Geforce بالقوة والأداء العاليين، وأول ما يبحث الناس عنه عادة عند بناء حواسيبهم أو شرائهم لجهاز لابتوب هو معالجات Nvidia.

في الواقع، Nvidia أكبر من مجرد مصنع للبطاقات الرسومية، فالشركة الآن تقوم بتصنيع معالجات وتصميم تقنيات حديثة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والسيارات ذاتية القيادة، ومراكز البيانات والخوادم الضخمة، وغيرها، كما أنها الآن على مقربة من الاستحواذ على شركة ARM المسؤولة عن تصميم المعالجات التي تعمل جميع هواتفنا في العالم عليها!


0 Comments

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: